العبد المأمور
"أنا العبد المأمور
"، قال الجزار هذه الكلمات وهو يرتعد
أمام محمد بك الدفتردار ، لينجو بنفسه من بطش هذا القائد المخيف ولم يكن يعلم ماذا
سيطلب منه بعد تلك .
من هو محمد بك الدفتردار
كان محمد بك الدفتردار ، أحد
السواعد القوية التي اعتمد عليها محمد علي باشا في تثبيت حكمه في مصر ، وتشديد
قبضته علي الشعب المصري ، وكان الدفتردار وحشا كاسرا ، يحمل بين جنبيه قلبا صخريا
، لا تعرف الرحمة أو الشفقة سبيلا إليه ، كان
عاشقا للدماء ، يطرب لمشهد الرءوس وهي تطير في الهواء ، فكان مجرد سماع أسمه يثير
الفزع والرعب في قلوب سامعيه ، واستخدمه
محمد علي لإحكام سيطرته علي الحكم.
حادثة الفلاح و الجزار
وحدث أن كان الدفتردار يطوف علي بعض القري ، عندما تقدم منه
فلاح يائس عارضا شكواه ، فقال : لقد تأخرت عن سداد الضريبة المستحقة علي وقدرها
ستون قرشا ، ولكن ناظر الأرض أبي الإ الدفع ، فاستولي علي بقرتي الوحيدة ، وأمر
جزار القرية بذبحها ثم قسمها ستين جزءا و أمر بتوزيعها علي الفلاحين بواقع قرش
واحد للجزء ، وأعطي الجزار رأس البقرة لقاء عمله ، وبعد أن جمع المبلغ ، مضي
وتركني دون أن أتذوق حتي ولو قطعة واحدة من لحم البقرة التي كنت أعتمد عليها في
زراعتي . . وكانت تساوي ضعف المبلغ الذي جمعه .
فلما فرغ الفلاح من قصته ، مضي الدفتردار إلي القرية ، وأطلق المنادي
يطلب من أهلها التجمع في الجرن . والتف الفلاحون في شبه حلقة . بينما بعث الدفتردار في استدعاء الناظر
والجزار الذي ذبح البقرة ، ثم أمر الجند بتكبيل الناظر بالحبال و إلقائه في وسط
الحلقة ، وتوجه بالحديث للجزار قائلا : كيف سمح لك ضميرك بذبح بقرة هذا الفلاح
المسكين وهي كل ما يملك من حطام الدنيا ؟! فارتعد الجزار وقال للدفتردار : إني يا
مولاي " العبد المأمور" ، ولم
أفعل الإ ما أمرني به الناظر .
نظر الدفتردار إلي الناظر
المطروح أرضا بنظرات ثاقبة ، وقال للجزار : لو أمرتك بأن تذبح الناظر مثلما ذبحت
البقرة . . فهل تفعل ؟ فقال الجزار علي الفور : لقد قلت لك يا مولاي
أني العبد المأمور . أطيع الأوامر التي تصدر من سادتي . . عندئذ أنتصب الدفتردار وصرخ في وجه الجزار :
إذا فإني آمرك أن تذبح هذا الوغد . . فخف
الجزار مسرعا وأخرج السكين من جيبه ، وانقض علي رقبة الناظر ، فحزها حتي فصل رأسه
عن جسده . . فساد الوجوم أهل القرية . .
وجمدت الدماء في عروقهم ، فظلوا واقفين مذهولين أمام هذا المشهد الرهيب .
بعد أن فرغ الجزار من مهمته ،
قال له الدفتردار : والأن آمرك أن تقطع جثته ستون قطعه . . ما عدا الرأس . مضي الجزار في تنفيذ مهمته
حتي أنتهي ، فنظر الدفتردار إلي أهل القرية صارخا: علي كل منكم أن يشتري كل قطعة
ويدفع قرشين . . وصدع أهل القرية
بالأمر ، وأخذ كل منهم قطعة من لحم الناظر
، ودفع قرشين . فلما تجمع مبلغ مائة وعشرين قرشا ، تناولها الدفتردار وأعطاها
للفلاح المسكين ليشتري بها بقرة جديدة . .
ثم إلتفت إلي الجزار وقال له أيها العبد المأمور : كما أنك أخذت رأس البقرة جزاء
لك علي تعبك ، خذ بالمثل رأس الناظر جزاء لك علي تعبك في ذبحة وتقطيعه . .وانطلقت
منه ضحكات فظيعة كأنها زلزال مدمر . . ثم نهض وغادر القرية ، ومن خلفه جنوده . . بينما أهل القرية ذاهلون . . وكأنهم يشهدون كابوسا كريها .
لقدظن هذا الوحش البشري ، أنه أقام عدلا ومحا ظلما . . !! وما دري أن العدل الذي تحقق عن طريق الأرهارب
والعنف هو عين الظلم .

تعليقات
إرسال تعليق