القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر الاخبار

 

عنزة السيدة نفيسة


عنزة السيدة نفيسة
مسجد السيدة نفيسة

 


بات المجتمع المصري ، خلال العصرين المملوكي والعثماني ، نهبا للخرافات والخزعبلات ، والأساطير التي كانت تنسجها بعض العقول الخبيثة ، مستغلة سذاجة الناس ، وكانت عنزة السيدة نفيسة إحدي تلك الخرافات.

 

قصة العنزة السيدة نفيسة

 

أستيقظت القاهرة ذات صباح ، علي قصة خرافية تزعم أن عنزة صعدت فوق مئذنة مسجد السيدة نفيسة رضي الله عنها ، وأخذت تكلم الناس ، وتحضهم علي فعل الخيرات ، وتحذرهم من إرتكاب الموبقات .

 

وتطورت القصة ، بعد أن تناقلتها ألسنة العوام ، فأضافوا إليها بعض التوابل والمشهيات ، وأكتملت لها عناصر التشويق والإثارة ، وأستقرت القصة في الشارع المصري ، علي النحو التالي ، كما يرويها الجبرتي ونقلها عنه الكاتب جمال بدوي في كتابة مصر من نافذة التاريخ .

 

كان بعض الجند المصريين ، قد وقعوا أسري الحرب في بلاد الفرنجة . و ذات يوم ، أشتروا عنزة ليذبحوها في أحد مجالس الذكر الذي عقدوه ، قربانا إلي الله ، كي يفك أسرهم ، ويعيدهم إلي ديارهم ، ولكن الحارس القائم علي أمرهم ، أبي عليهم ذلك و أستولي علي العنزة ومضي بها إلي بيته. فلما أوي إلي فراشه ، رأي في المنام رؤية مزعجة ، فأدرك علي الفور أن العنزة مباركة ، فلما أشرق الصباح ، أعاد العنزة إلي الجند ، ثم أطلق سراحهم ، وزودهم بالمال حتي يستطيعوا الرحيل إلي مصر ومعهم العنزة.

 

الشيخ عبد اللطيف والعنزة المباركة

 

عندما  بلغ الجنود القاهرة ، ذهبوا من فورهم إلي مسجد السيدة نفيسة ، وقضوا ليلتهم بجوار ضريحها . وفي الصباح وجدوا العنزة قد أعتلت المئذنة ، وكان للمسجد خادم ذكي أسمه الشيخ عبد اللطيف ، أدرك الفائدة العظمي التي ستعود عليه من ترويج قصة العنزة ، فأشاع بين رواد المسجد أن السيدة نفيسة رضي الله عنها  جاءته في المنام وخاطبته من مقصورتها وأوصته بالعنزة خيرا .

 

عنزة السيدة نفيسة 1



وذاعت الخرافة بين أهل القاهرة ، فتوافدوا علي المسجد لرؤية العنزة والتبرك بها ، والتبرع لها بما تجود بها أريحيتهم . وانفتح باب الرزق الرغيد أمام الشيخ عبد اللطيف ، فوضع تسعيرة محددة لكل درجة من درجات القرب من العنزة أدناها الرؤية ، وأعلاها المسح علي جسدها ، والحصول علي بركاتها .

 

إنهالت الهدايا والنذور علي الشيخ عبد اللطيف ، فكان يخبرهم بأن العنزة لا تأكل إلا قلب الموز والفستق ، ولا تشرب إلا ماء الورد المحلي بالسكر المكرر ،  فيحمل الناس  إليه كميات كبيرة مما طلب حتي ينالوا البركة .

وبلغت القصة مسامع الأميرات وزوجات الكبراء والقادة ، فكن يتسابقن إلي صنع القلائد الذهبية والأقراط والأساور ، ويبعثن بها إلي الشيخ عبد اللطيف  ليزين بها جسد العنزة المباركة  .

 

كشف خدعة عنزة السيدة نفيسة

 

كان الأمير عبد الرحمن كتخدا ، من أشد الأمراء حزما وحسما ، وأكثرهم وعيا ورفضا للخرافات ، فأرسل للشيخ عبد اللطيف  يرجوه أن يتعطف بزيارته في قصره ، و بصحبته العنزة  ، حتي يتمكن أهل بيته من التبرك بها . سعد الشيخ عبد اللطيف بهذه الدعوة التي ستفتح له باب القصور والأمراء .

 

وحدد يوم لهذه الزيارة وتجمع الناس لرؤية موكب ومصاحبته من مسجد السيدة نفيسة إلي قصر الأمير بالقرب من مسجد أحمد بن طولون ، وأمتطي الشيخ بغلته وحمل العنزة ومضي في موكبه حتي وصل لقصر الأمير عبد الرحمن كتخدا .

 

نهض الأمير وأستقبل الشيخ ومعه العنزة ورحب به ، وأستأذن الأمير في أن تمضي العنزة إلي جناح الحريم ، فرحب الشيخ عبد اللطيف و أعطاه العنزة ، فحملها الخدم إلي المطبخ حيث إنهالت عليها سكين الجزار ، فذبحتها وسلختها وتسابق الطباخون إلي سلقها وتحميرها ، بينما اتخذ الشيخ عبد اللطيف مكانه في صدر المجلس ، يروي للأمراء مزيدا من الخرافات عن كرامات العنزة  .

 

لما حان موعد الغداء، أمر الأمير بمد الموائد، فدخل الخدم يحملون أطباق الفتة تعلوها هبر اللحم، وتعاونت الأيدي والأسنان في إنجاز المهمة، وكان الأمير بين الحين والآخر يحث الشيخ على تناول المزيد من اللحم، وسرعان ما يستجيب الأخير، حتى فرغ الجمع من الطعام والشراب، فنهض الشيخ مستأذنا في الانصراف ومعه العنزة، فقال الأمير: «أي عنزة تقصد؟»، فرد الشيخ: «العنزة المباركة التي دخلت جناح الحريم!»، ليقول «كتخدا»: «العنزة لم تدخل جناح الحريم مطلقا، ولكنها دخلت بطنك يا كاذب.. يا فاجر.. يا أفاق.. وهذا دليل على ضلالك المبين .

وهكذا، بهت الشيخ الضال، وحاول الإفلات من قبضة الأمير، ولكن الأخير أمسك به، وأمر بضربه 60 عصا على رجليه ، وطاف به الجنود شوارع القاهرة حتي يعتبر أي إنسان مما فعله الشيخ عبد اللطيف جراء نشر الخزعبلات .

 


المصادر : كتاب مصر من نافذة التاريخ – الكاتب جمال بدوي – دار الشروق

 

 

 

 

 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع