النبأ السعيد-
- عامل التلغراف وقصة تولي اسماعيل باشا حكم مصر
قد تلعب الصدف أحيانا أدوارا مؤثرة
في حياتنا ، قد ترفع أقوام وتخفض أقوام ، النبأ السعيد وقصة عامل التلغراف وتولي
اسماعيل باشا حكم مصر خير مثال للصدف في حياتنا .
عندما
أشتدت وطأة المرض علي والي مصر محمد سعيد باشا ، نصحه بعض أطباء أوربا بالعودة إلي
بلاده كي يلفظ فيها أنفاسه ، بدلا من المعاناه في بلاد أوربا و استجاب سعيد لنصيحة
أطبائه ، وعاد إلي قصره بالإسكندرية ينتظر ملك الموت بين لحظة وأخري . ولم يكن
إسماعيل - وريثه علي العرش - أقل اسنعجالا لنهاية عمه ، حتي يستريح من
الألام المبرحة ، ويقفز هو إلي عرش المحروسة. وذاعت أخبار أحتضار الوالي في أنحاء
البلاد . . وبدأت الأنظار تتنصرف عن الأسكندرية وتتجه نحو القلعة في القاهرة حيث
يقيم الوالي المنتظر . وأخذت جماعات المنتفعين والوصوليين ومحترفي السلطة تتحرك
نحو القلعة ، ترقب النجم الصاعد . . وتحجز لنفسها مكانا في دولة اسماعيل المقبلة .
وكان من عادة ذلك الزمان ، أن يتعطف الحاكم
الجديد بالإنعام علي برتبة البكوية علي أول شخص يحمل إليه نبأ الولاية ، أو رتبة
الباشوية إن كان يحمل رتبة البكوية . . فضلا من صرة من العملات الذهبية . وكان
رئيس مكتب التلغراف يالقاهرة – ويدعي يسي بك – يعرف هذا التقليد فكان أشد الناس
تحرقا إلي تلقي نبأ موت الوالي سعيد ،
فيكون أول من يزف (النبأ السعيد) إلي اسماعيل . . وظل الرجل مرابطا في مكتبه لا
يغادره ليلا ولا نهارا ، وبين الحين والأخر يتصل بزميله رئي مكتب تلغراف
الإسكندرية يستعجله الخبر . . ومرت الأيام
والمسكين لا يذوق طعم النوم حتي أوشك علي الانهيار . ثم خطر له أن يتمدد لبضع دقائق يختطف فيها قسطا
من الراحة ، حتي يستطيع مواصلة العمل . فطلب من معاونه وكان رجلا خبيثا وقال له :
أنت تعرف طبعا يا عزيزي أهمية خبر وفاة الوالي وتعرف أنه سيعود علينا بالخير
الكثير.
قال المعاون في بلاهة أجل أعرف
يا سيدي . .
قال يسي يك : وتعلم أنني لم
أذق طعم النوم منذ أيام . .
فال المعاون : أجل أعلم . .
قال يسي بك : إذن سوف أدخل
مكتبي لأغفو قليلا . . إذا جاء النبأ
السعيد فما عليك الإ أن توقظني فورا . .
وستكون لك عندي مكافأة 500 فرنك .
ووافق المعاون علي العرض .
ودخل يسي بك إلي مكتبه ، وهو بملابس الشغل فأستلقي علي أريكة قديمة . وراح في سبات
عميق . . وما هي الأ دقائق معدودة ، حتي تلقي المعاون نبأ موت الوالي سعيد .
فأمسك بالبرقية وفتح باب غرفة رئيسه فوجده يغط في النوم ، وأصوات شخيره تزلزل
أركان الغرفة . . فأغلق عليه الباب وأنطلق من فوره إلي القلعة. وكشف للحراس عن
مهمته ، فذهبوا به إلي القصر وأدخله رجال البلاط إلي القاعة الرئيسية حيث كان
اسماعيل ينتظر النبأ السعيد .. وتقدم الموظف جاثيا علي ركبتيه ، وهو يرفع البرقيه
إلي الوالي الجديد . . فما إن قر أها اسماعيل حتي ظهرت في عينيه دموع الفرح . .
وسقطت البرقية من يده فألتقطها المعاون وهو ما زال جاثيا في أنتظار المكافأة . .
وأقبل رجال البلاط والحاشية يزفون التهاني إلي ولي النعم . . فتلفت اسماعيل ، فوجد
الموظف لا يزال راكعا شاهرا البرقيه في يده . . فتبسم ضاحكا من إصراره وقال له :
انهض بك . .
ونهض المعاون . . وقدم له أحد رجال القصر الصرة الذهبية فأخذها . . ثم غادر القصر عائدا إلي مكتب التلغراف ، وتذكر المكافاة الموعودة من رئيسه وبلغ به الجشع أن رفض التغاضي عنها ، بالرغم من أنه أصبح من حملة العملات الذهبية. فدخل علي يسي بك، وأيقظه من النوم ، وقدم إليه البرقيه وكأنه تلقاها علي التو . . ونهض الرجل وهو يهتز طربا . . وأنهال علي معاونه تقبيلا . . وهم بالخروج إلي القلعة ولكن معاونه ذكره بالمكافأة . . فأخرج المسكين كل ما في جيبه من نقود مصرية وتركية وفرنسية ، ودسها في جيب المعاون . . وأنطلق من فوره إلي القلعة والبرقية في يده وهو يمني نفسه برتبة الباشوية ، وبالصورة التي سترفعة من زمرة الموظفين التعساء إلي صف الموسورين السعداء .
ولكن ما إن بلغ مشارف
القلعة حتي سمع دوي المدافع ابتهاجا بتولية إسماعيل . وبهت المسكين ، وأقترب من
أحد رجال البلاد يستفسر عن النبأ ، فأبلغه ما حدث من معاونه . . وصعق الرجل من هول
الخيانة التي أرتكبها مساعده ، وعاد إلي مكتبه حزينا كسيفا ، ناقما علي الرجل الذي
خدعه مرتين : مرة عندما انفرد بصرة الذهب . . ومرة عندما سلب منه المكافأه التي
لايستحقها . فلما بلغ المكتب ، وحاول تعنيف معاونه الخبيث. حذره الأخير من التطاول عليع بأعتباره (زميل)
ويحمل نفس الرتبة التي يحملها هو . . فقد
تساوت الرؤس واستفاق الرجل من هول الصدمة . . وأخذ يلعن نفسه لأنه وضع ثقته بإنسان
ليس أهل للثقة .



تعليقات
إرسال تعليق