ثائر من الأزهر
كان الشيخ العدوي عالما جليلا من علماء الأزهر، تميز بالثبات علي الحق ومواجهة
الأحداث المختلفة بالصدق وعدم النفاق مما أعتبره الكثير بأنه ليس فقط عالما من علماء
الأزهر ، بل ثائر من الأزهر.
زيارة السلطان عبد العزيز لمصر
يحكي الكاتب الكبير جمال بدوي
في كتابه " مصر من نافذة
التاريخ" ، أنه عندما جاء السلطان عبد العزيز في زيارته التاريخية لمصر، أن الخديو
إسماعيل وضع بعض مشايخ الأزهر ضمن علية
المصريين ، الذين يتشرفون بالمثول أمام السلطان عبد العزيز ، ووقع الأختيار علي
أربعة من كبار علماء الأزهر الشريف ، لكي يستقبلهم السلطان في قصر القلعة . وليس
هذا معناه أن يجلس السلطان مع العلماء ويتبادل معهم الحوار في شئون الإسلام
والمسلمين ! لم يكن اللقاء يتضمن شئ من ذلك ، لأن خليفة المسلمين لم يكن يعرف كلمة
عربية واحدة ، وإن المقابلة لم تكن تتعدي دخول العلماء إلي القاعة ، لإلقاء التحية
علي السلطان ، ثم يعودون من حيث أتوا وهم راكعون . . !
وكانت المشكلة التي أقلقت
إسماعيل ، هي كيفية تعليم المشايخ الأربعة أصول وقواعد المثول بين يدي السلطان عبد
العزيز ، وكان البروتوكول التركي من التشدد بحيث يلزم الداخلين علي السلطان – بمن
فيهم شيوخ الإسلام – بالإنحناء وتطويح الأيدي حتي تلامس الأرض ثم رفعها إلي مستوي
الرأس . . ثم التقهقر نحو الباب ، وهم علي هذه الهيئة المهينة . و طلب الخديو
إسماعيل من قاضي القضاة التركي ، أن يتكفل بتدريب الشيوخ الأربعة علي هذه الحركات
البهلوانية . فأفهمهم القاضي أن المقابلة ستكون في قاعة يقف السلطان في صدرها علي
منصة مرتفعة عن الأرض قليلا . بينها وبين باقي القاعة حاجز مفتوح من وسطه ، وينبغي
لهم بمجرد دخولهم القاعة أن ينحنوا إنحناء عظيم ، ويسلموا بكلتا اليدين حتي تلامس
الأرض . ثم يتقدم كل منهم نحو الحاجز بخطوات موزونة حتي إذا صار أمامها كرر
الإنحناء والتسليم ووقف. ويرد السلطان تحيته . فيعيد حينئذ التسليم والإنحناء مرة
أخري ، ثم يرجع متقهقرا ووجهه إلي السلطان ، إلي أن يبلغ باب الخروج ، فيكرر
الإنحناء والتسليم ثم ينصرف مثلما دخل حتي يتواري عن أعين السلطان عبد العزيز .
فلما أستغرب العلماء أن تقتصر المقابلة علي تلك الحركات من الإنحناء والتسليم قال لهم القاضي التركي أن هذا هو البروتوكول فقط . فقالوا " لقد فهمنا " فلما جاء دورهم في المقابلات ، دخل ثلاثة منهم وفعل كل منهم ما علمه القاضي أن يفعل . وكان الخديو واقفا خلف السلطان وعينه تراقب تحركاتهم ، ويحمد الله أنهم أدوا أدوارهم بإتقان كما هو مرسوم لهم .
فلما
جاء الدور علي الشيخ العدوي ، دخل وانحني عند الباب مثل السابقين ولكن سرعان ما
رفع قامته وأخذ يمشي نحو السلطان بخطي وئيدة ، وحذاءه الثقيل يدك البلاط المرمري ،
ولم يعاود الأنحناء أو التسليم . .
!!! وفزع إسماعيل من تصرف الشيخ الذي خرق
البروتوكول ، وأخذ يبحث عمن ينقذ الموقف قبل أن يحدث ما يغضب السلطان ، لكن الشيخ
العدوي مضي في طريقة نحو الخليفة ، حتي وصل إلي الحاجز فجاوزه . . وصعد إلي المنصة التي يقف عليها السلطان –
وإسماعيل يتواري ذعرا – ونظر الشيخ العدوي إلي عبد العزيز بعين ثابنة وقال :"
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله"
. . فوثب قلب الخديو من جرأة الشيخ ولولا مهابة السلطان لركل الشيخ وطرده .
. ولكن الخليفة ابتسم بلطف ، ورد علي الشيخ السلام ، ثم انحني أمامه انحناءه خفيفة
. . حينئذ أنطلق لسان الشيخ من عقاله وأخذ يخاطب السلطان فيما يجب عليه نحو رعاياه
، بصفته مسئولا عن شئون رعاياه ، وأكد له أن ثوابه عند الله تعالي سيكون بمقدار
ثقل المسئولية ، كما أن عقابه عند الله علي قدر إهماله الأمانة .
عندئذ
، تغيروامتقع لون الخديو إسماعيل ، وأخذ يلعن الساعة التي أختار فيها هذا الشيخ (
المجذوب) . . ويسب من أشار عليه بإختياره . . وأخذ يتوقع أن يحاسبه السلطان علي تصرف
الشيخ العدوي حسابا عسيرا . . ولكن المفاجأة ، أن ملامح الأرتياح بدت علي وجه
السلطان عبد العزيز . . فلما فرغ الشيخ من
خطبنه ، ختمها بالسلام الذي بدأها به . . ثم انحني أمام السلطان ، وأقفل عائدا
بوجهه لا بظهره ، كما فعل الأخرون وسبحته في أيده . . فلما خرج إلي البهو ، وجد
زملاءه في أنتظاره وهم يتميزون غيظا ، ويلومونه علي فعلته، وينذرونه بأوخم العواقب
. فقال لهم " ولماذا أنتم منزعجون ؟
أما أنا قفد قابلت أمير المؤمنين . واما انتم فكأنكم قابلتم صنما وكأنكم عبدتم وثنا . . "
ثم
التفت السلطان إلي إسماعيل يسأله : من الشيخ؟ فبادر إسماعيل بحذر ويقول: "إنه من أقاضل العلماء ، ولكنه أبله
ومجذوب" . فقال السلطان : لا . . إنه ليس مجذوبا . . وإني لم أنشرح لمقابلة
أحد انشراحي إلي مقابلته . . " وأمر
للشيخ العدوي بخلعه سنية وألف جنيه جائزة . . !
وقد كذب إسماعيل . وصدق عبد العزيز . فلم يكن الشيخ العدوي مجذوبا ولا مجنونا كما أرد إسماعيل أن يصفه . ولكنه كان عالما يعرف قدر نفسه ، وقدر العلم الذي يحمله بين جنبيه . وقدر الأمانه التي تفرض عليه أن يكون شجاعا في حضرة أمير المؤمنين وهذه القصة التي نقلها المورخ إلياس الأيوبي عن السيد محمد عاشور الصدفي – سبط الشيخ العدوي - تؤكد واحدة من مواقف الشيخ البطولية .
ولم يكن هذا هو الموقف البطولي
الوحيد في حياة الشيخ العدوي ، بل كان له مواقف عديدة عند بداية الإحتلال
الإنجليزي لمصر وفي الثورة العرابية وعاني كثيرا وحكم عليه بتجريده من جميع الرتب
وعلامات الشرف والأمتياز . . فخلعها الشيخ
راضيا . . وبقيت له أعلي المراتب في نفوس
الناس . . وسيظل أسم الشيخ العدوي رمزا
لكرامة العلم وشجاعة العلماء في كل عصر ومصر . .


تعليقات
إرسال تعليق