القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر الاخبار

سليمان باشا الفرنساوي والجيش المصري


 

سليمان باشا الفرنساوي والجيش المصري

 


سليمان باشا الفرنساوي والجيش المصري


 

رحلة طويلة وشاقة خاضها سليمان باشا الفرنساوي والجيش المصري في بداية إنشائه ، فعندما يذكر تاريخ "الجهادية" المصرية ، فلابد أن يذكر معه محمد علي , وسليمان باشا ساعده الأيمن في بتاء الجيش المصري  الحديث

 

ألفان من السنين عاشها المصريون محرومين من شرف الجندية - منذ انحلت الفيالق المصرية في أواخر عصر الفراعين -  لا يحملون سلاحا يدافعون به عن أوطانهم ، فقد أراد لهم حكامهم أن يحملوا - فقط  - الفئوس . حتي باتت كلمة فلاح ، مرادف لكلمة " مصري" في قاموس الشراذم الأجنبية التي تكالبت علي مصر كما تتكالب الأكلة علي قصعتها . . !

 

بقي هذا الحال المهين حتي ظهر محمد علي ، علي مسرح الحياة المصرية ليحرك ركودها ، ويدفع الدماء الفتية في عروقها التي تجمدت بفعل القهر والطغيان . . ورأي هذا العبقري أن أول خطوة في بناء دولته الحديثة هو إنشاء جيش نظامي قوي علي نمط الجيوش الأوربية .  وجرب محمد علي أن يجعل من " الباشبوزق " وهم أخلاط من الشركس والأرناءوط والدلاة نواة جيش نظامي . ولكن من نشأ علي الفوضي والشغب والتمرد والخيانة والغدر لا يستطيع أن يخضع للطاعة والنظام والضبط والربط وأحترام القيادة . .

 

وفشلت التجربة فشلا كاد أن يطيح بمركز محمد علي نفسه . . فاتجهت أنظاره إلي الفلاحين وكان محمد علي خبيرا في كشف معادن الرجال  . . فأدرك بفراسته أن هذا الفلاح الخامل سوف يأتي بالأعاجيب إذا تهيأت له الظروف الصالحة . .


 سليمان الفرنساوي وتكوين نواة الجيش المصري


وبدأ محمد علي من نقطة الصفر وساقت له الأقدار ضابطا فرنسيا من بقايا حروب نابليون ، أسمه الكولونيل " أوكتاف جوزيف سيف" المولود في ليون في فرنسا ، والذي تحول أسمه بعد ذلك إلي " سليمان باشا الفرنساوي ، وعهد إليه تكوين النواة الأولي من الضباط الذين سوف يعاونونه علي تدريب الجنود المصريين . واختار 500 من خاصة مماليكه ليبدأ بهم ، واختار له أسوان لتكون ( وكرا) لهذه المهمة الصعبة ، بعيدا عن أعين ومؤامرات الباشبوزق ومقاومتهم لكل جديد . واستمرت عملية التدريب لثلاث سنوات ذاق خلالها الكولونيل "سيف" الأمرين لتطويع هذه العناصر الفوضوية وتهذيبها  . . وأعتنق الأسلام وأصبح أسمه "سليمان" فزال الحاجز النفسي بينه وبين تلاميذه الضباط ، وأظهر لهم من ضروب الشجاعة والصبر وسعة الصدر ما جعل حقدهم عليه ينقلب إلي حب وأحترام وإجلال .



سليمان باشا الفرنساوي والجيش المصري 1



حدث مرة أن دبر تلاميذه مؤامرة لأغتياله ، أثناء التدريب علي ضرب النار فأطلق أحدهم عليه رصاصة مست أذنه وأطاحت بقبعته ، وبدلا من أن ينتقم منه سليمان باشا ، أمسك بالبندقية وأتخذ مكان القاتل في الصف وأخذ يصوب الرصاص نحو الهدف وهو يردد : هكذا يكون التصويب يا غبي  . . ! وكان من الطبيعي أن تترك هذه التصرفات النبيلة أثرها في نفوس تلاميذه .

 

وبعد تكوين الدفعة الأولي من الضباط ، بدأت عملية البحث عن الجنود ، وكان  من طبيعي أن تلقي دعوة التجنيد نفورا وكراهية من المصريين ، لبعد المسافة الزمنية بينهم وبين هذا الواجب الوطني ، فضلا عن الطريقة البشعة التي سلكها زبانية محمد علي لجمع الفلاحين ، إذ كانوا ينقضون علي القري الأمنة كالوحوش الكاسرة ويأسرون كل من يقع في أيديهم ويسقونهم في الحبال إلي معسكرات التجنيد .


 بطولة الجيش المصري في معركة قونية


ومضي المشروع في طريقه المرسوم ، وبقي " سليمان باشا الفرنساوي" -  ورحلته لبناء الحيش المصري -  علي رأس الجيش يعلم ويدرب وينظم وينشئ المدارس الحربية ويستدعي الخبراء من الخارج ويرسل البعثات إلي أوربا ، للتخصص في  الفنون العسكرية ، ولم يكن " سليمان باشا الفرنساوي" أقل أعجابا من محمد علي  بالفلاح المصري . و يؤثر عنه قوله " إن العرب ( يريد المصريين) هم خير من رأيتهم من الجنود ، فهم  يجمعون بين النشاط والقناعة والجلد علي المتاعب ، مع انشراح النفس وتوطينها علي إحتمال صنوف الحرمان . وهم بقليل من الخبز يسيرون طوال النهار يحدوهم الشدو والغناء . ولقد رأيتهم في معركة (قونيه) يبقون ساعات متوالية في خط النار محتفظين بشجاعة ورباطة جأش تدعوان إلي الأعجاب دون أن تختل صفوفهم أو يسري إليهم الملل أو يبدو منهم تقصير في واجباتهم وحركاتهم الحربية " .

 

وفاة سليمان باشا الفرنساوي


وظل سليمان باشا الفرنساوي يمارس مهمته الجليلة حتي عصر سعيد باشا ، ودخل في نسيج المجتمع المصري ، فتزوجت إحدي بناته – نازلي – بمحمد شريف باشا فأنجبت منه فتاة تزوجت عبد الرحيم باشا صبري ، وأثمر هذا الزواج عن فتاة أصبحت فيما بعد ملكة مصر وزوجة الملك فؤاد أم الملك فاروق ،  وتوفي سليمان باشا ودفن في مصر في مقبرته  بمنيل الروضة .

 

وتقديرا من المصريين لهذا الرجل الذي يرجع إليه الفضل في بناء الجيش المصري الحديث ، أقاموا له تمثالا في الميدان المسمي بإسمه ، وأطلقوا أسمه علي أحد شوارع القاهرة ، وبعد ثورة يوليو 1952 تم تغيير أسم الميدان إلي ميدان طلعت حرب وتم نقل تمثال ليستقر في المتحف الحربي بالقلعة في القاهرة .

 

هذه قصة سليمان باشا الفرنساوي – ورحلة بناء الجيش المصري ، الرجل الي أحب مصر وعشقها وتفاني في أتمام مهمته وأصبح مصريا ولم يدفن الأ في ترابها ، ومازال المصريون يذكرونه وفاءا منهم وتقديرا لما قدمه لمصر وشعبها .  

 


المصادر : كتاب مصر من نافذة التاريخ  - جمال بدوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق

التنقل السريع