سياسة بلا أخلاق
بالرغم
من شأنه العظيم ، يعتبر أحمد فوزي باشا ضحية من ضحايا السياسة العالمية ، التي تقر
مبدأ سياسة بلا أخلاق من أجل مصالح ذاتية ليس لها علاقة بالعدل أو الأخلاق .
امير البحر أحمد فوزي باشا
كان
أمير البحر ، أحمد فوزي باشا ، قائدا للأسطول العثماني ، في الوقت الذي بلغ الصدام
فيه ذروته بين مصر والدولة العثمانية ، كان محمد علي باشا قد أذاق الجيوش
العثمانية مرارة الهزائم المتوالية في الشام والأناضول . وباتت القوات المصرية علي
مرمي حجر من عاصمة الأمبراطورية العثمانية ، فزلزلت دعائمها وهددت بزوالها . وفي
هذا الوقت الحرج ، توفي السلطان العثماني ،
وخلفة غلام في السابعة عشر أسمه عبد المجيد أسلم زمام الدولة إلي خسرو باشا وعينه
صدر أعظم . وكان هناك حقدا شديدا سابقا من خسرو باشا لمحمد علي .
وكما
جرت العادة سابقا ، فإن فترات الإنتقال من حاكم لأخر قد تكون نعمة علي البعض ،
مثلما هي نكبة علي البعض الأخر ممن لا يكون هواهم مع الحاكم الجديد . وكان
القبودان أحمدفوزي باشا يتوقع الشر من جانب خسرو باشا بسبب خصومة قديمة بينهما ،
لذلك لم يكد أحمد باشا فوزي يتلقي أمر إستدعائه إلي الأستانة حتي أوجس في نفسه
خيفة ، وأدرك أنه إما مقتول أو معزول .
هروب الأسطول العثماني إلي مصر
أشار
عليه بعض أعوانه بفكرة اللجوء إلي مصر وتسليم الأسطول العثماني إلي محمد علي غنيمة
خالصة ، فينال حظوته ويضمن لنفسه موقعا أثيرا في دولة النجم الصاعد . واستحسن
الرجل الفكرة فأقلع بالأسطول الضخم سرا من مياه الدردنيل إلي الإسكندرية ، وعلي
ظهره أكثر من واحد وعشرون ألف بحار وجندي .
وأستقبل
محمد علي الأسطول العثماني بالحفاوة والترحاب ، فبإنضمامه إلي البحرية المصرية
أصبحت مصر أقوي دولة بحرية في البحر الأبيض المتوسط . ولقي فوزي باشا عند سيده
الجديد الحظوة التي كان يتوقعها .
مؤامرة دول أوربا وسياسة بلا أخلاق
ولكن
الرياح لم تجر بما كان يشتهي أمير البحر العثماني ، ولا بما كان يتمني محمد علي ،
فقد لعبت الدول الأوربية - بزعامة انجلترا
– لعبتها المعروفة " سياسة بلا أخلاق" لإجهاض نهضة محمد علي وقصقصة
أجنحته التي امتدت إلي الحجاز وفلسطين وسوريا والأناضول ، وأسفرت المؤامرة
الأوربية عن ابرام معاهدة لندن التي أعادت الجيوش المصرية إلي معاقلها الأصلية .
وبعدها أصدر السلطان العثماني فرمانا ينظم شكل العلاقة الجديد بين مصر والخلافة
العثمانية . وكان من بين البنود إعادة الأسطول العثماني والعفو عن جميع رجاله
باستثناء القبودان أحمد فوزي باشا ، فكان لابد من تسليمه حتي يلقي جزاء فعلته .
ضحية السياسة العالمية
وأسقط
في يد محمد علي ، فلا هو يستطيع مقاومة أمر السلطان ومن خلفه دول أوربا المتحفزة ،
ولا يستطيع تسليم الرجل الذي التجأ إليه فتضيع هيبته أمام أتباعه ، ومعظمهم من
الترك . وشعر السلطان بحرج موقف محمد علي ، وأراد أن يسهل عليه الأمر ويخرجه من المأزق
، فبعث إليه بأنه ليس من الضروري تسليم القبودان الخائن حيا . . فالمهم أن يدفع ثمن خيانته سواء في مصر أو
في الأستانة . . فكلها بلاد السلطان .
وفهم
محمد علي مغزي الإشارة ، فنهض من فوره إلي خزانته الخاصة وأخرج قنينة سموم صغيرة ،
واستدعي أحد خاصتة وأعطاه القنينة وكلفه بمهمة التفاهم مع فوزي باشا لإخراج والي
مصر من ورطته .
وذهب
الرسول إلي قصر فوزي باشا ، وأخذ يلاطفه ويحدثه حديثا عن متاعب الحياة الدنيا وكيف
أن متاعها زائل . . وأن النعيم الحقيقي في الحياة الأخرة ، وانه يحسن بالمرء أن يكون
مستعدا لمقابلة وجه ربه الكريم في أية لحظةيشاء الله فيها أن يستدعيه إليه . وما أسهل الموت إذا جاء للإنسان في جرعة ماء
أو فنجان قهوة . . !!
وفهم القبودان معني الكلام ، فقام وتوضأ وصلي العصر وختم الصلاة بالدعاء والأستغفار . . ثم إلتفت إلي فنجان القهوة المسمومة فتجرعها في صبر إستسلام وهو يهذي بالتركية : قسمت . . قسمت !! . ومات فوزي باشا وأنتصرت السياسة التي إنعدمت منها الأخلاق .
المصادر: كتاب مصر من نافذة التاريخ - الكاتب: جمال بدوي - دار الشروق

تعليقات
إرسال تعليق