سيد جلال وقصة إلغاء البغاء من مصر
![]() |
| سيد جلال |
لم يكن سيد جلال مجرد نائب في
البرلمان المصري ، ولكنه كان نهرا من أنهار الخير والعطاء والبر والأحسان ما زال يتدفق حتي الأن حتي بعد وفاته ، ولعل لسيد جلال و قصة إلغاء البغاء من مصر وحدها ، شاهدة علي عظمة هذا الإنسان النبيل .
نشاة سيد جلال
سيد جلال جيلاني ، رجل عصامي
ذاق مرارة العيش وحلاوتها وبني نفسه من تحت الصفر ، وبرلماني مصرى معروف كنائب
لأكثر من 40 عام عن دائرة باب الشعرية بالقاهرة ، حيث كان من أشهر أعضاء البرلمان سواء في العهد
الملكي أو بعد ثورة 23 يوليو عام 1952م ، وهو من مواليد قرية بني عدى التابعة
لمركز منفلوط بمحافظة أسيوط عام 1899م ، و
قد نشأ في بدايته في قريته وكان والده يعمل في الحقول ، وكان مشهور عنه الأمانة
والإخلاص والوفاء والشجاعة .
توفي والداه وهو طفل ، وكفله
خاله وألحقه بكتاب القرية فحفظ القرآن الكريم كاملا وهو في سن السابعة ، وتعلم مبادئ
القراءة والكتابة والحساب ، ثم إنتقل إلي القاهرة مع أحد أقاربه للعمل و تنقل في
عدة أعمال بسيطة وعلي الرغم من بساطتها ، لم يكن ينظر إليها بأى لون من ألوان
التأفف ولم يكن يدرى ما تخبئه له الأقدار من فتوحات رحبة للرزق .
نشاط سيد جلال التجاري
حينما إنتقل سيد جلال بعد فترة
للعمل في ميناء بورسعيد ساعيا فى شركة يونانية للنقل البحرى ، حيث كانت هذه المهنة البسيطة فاتحة خير عليه
ونقطة إنطلاق له نحو حياة أكثر إستقرارا ، حيث إستغل تعاملاته مع عملاء الشركة
ومعظمهم كان من جنسيات غربية فى أن يتقن لغات أجنبية عديدة ، مثل اليونانية
والفرنسية والإيطالية كتابة وتحدثا كما أتاحت له هذه اللغات بعض المعاملات
التجارية فى التصدير والإستيراد .
وأستطاع إنشاء شركة له وبعض
الأعمال التجارية في حي باب الشعرية بالقاهرة ونتيجة لأعمال البر والخير توطدت
علاقته بأهل الحي الذين طالبوه بالترشح للبرلمان لثقتهم فيه ، وعندما رشحه أهل باب
الشعرية في هذه الإنتخابات قام بحمل صندوق فى يده ووضع بداخله 5 جنيهات وجاب شوارع
دائرته معلنا فى حملته من يريد إنتخابى عليه أن يضع 5 قروش فى الصندوق وإندهش
الناخبون وقتها وعندما علموا أن الخمسة جنيهات هى بداية التبرع لبناء مستشفى خيرى
لعلاج أبناء الحي بالمجان إلتف حوله الناخبون وكان نجاحه بإكتساح .
وإستغل سيد جلال ما تم جمعه من
أموال بهذا الأسلوب الفريد ، وكانت نواة تأسيس المستشفي التي عرفت بإسمه في حي باب
الشعرية في نفس عام هذه الإنتخابات 1945م وقد تولت وزارة الصحة الإشراف عليها حتى
عام 1974م ثم أصبحت بعد ذلك تحت إشراف جامعة الأزهر .
سيد جلال نائبا في البرلمان
وفي بداية عمله البرلماني في
عام 1945م كان للنائب سيد جلال الفضل في مسح وصمة كانت تسيء إلي مصر ، بلد الأزهر الشريف ، مصر التي شرفها الله بذكرها
في القرآن الكريم أكثر من مرة ، مسح سيد جلال هذه الوصمة عن مصر حينما إستمر يقود
حملة لإلغاء البغاء من مصر دون كلل أو ملل ، حتي إستطاع أن يسقط هذا العار ويمحو
هذه الوصمة في عام 1947م .
سيد جلال وقصة إلغاء البغاء من مصر
قد تحقق هذا الهدف في النهاية بعد أن قام بتدبير مقلب لوزير الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت وهو "جلال فهيم باشا" والذي أدي إلي إصدار القرار بإلغاء بيوت البغاء ولذلك قصة طريفة حيث كانت دائرة باب الشعرية والتي كان يمثلها في البرلمان تضم أشهر شارع للبغاء العلني في مصر في ذلك الوقت وهو شارع كلوت بك وكانت هذه الحكاية تسبب له ضيقا شديدا فالدائرة دائرته وهو كان يعيش فيها وكان يتمزق ألما وحزنا وهو يري منظر العاهرات وهن يقفن علي النواصي ورؤوس الطرقات ويدعين الناس دعوات مفتوحة مفضوحة لممارسة الرذيلة والعياذ بالله ويتبادلن الشتائم والكلام المكشوف فيما بينهن ويتسابقن لإغراء كل من يمر بالشارع وجره إلي البيوت .
حاول سيد جلال بوصفه نائبا عن باب الشعرية أن
يستصدر قرارا بإلغاء البغاء في مصر طوال سنتين لكن لم تفلح جهوده وإنتهي به
التفكير إلي تدبير مقلب لوزير الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت لإحراجه ودفعه دفعا
إلي العمل لإلغاء هذه الوصمة بإعتباره الوزير المسئول الذي بإستطاعته لو أراد أن
يصدر قرارا بذلك .
وضع سيد جلال خطة محكمة للمقلب الذي دبره للوزير فذهب إليه في مكتبه بالوزارة وقال له إنه يعتزم إقامة مشروع خيري كبير في دائرته وأن هذا المشروع يضم مدرسة سوف يشرع في بنائها فورا وأن موقع المدرسة قد جري تجهيزه وإعداده للبناء وأنه يسعده أن يأتي معالي الوزير لرؤية موقع هذا المشروع الخيري الكبير وأن أهالي الدائرة سوف يسعدهم تشريف معالي الوزير ، ووافق الوزير .
وفي اليوم المحدد ، جاء معالي الوزير وهو يركب الحنطور الذي أعده له سيد جلال لكي يشاهده أهالي الدائرة ويخرجون لتحيته وكان الإتفاق مع سائق الحنطور أن يدخل بالوزير إلي شارع البغاء الرسمي شارع كلوت بك وأن يسير به علي مهل وفي شارع البغاء وبمجرد دخول الحنطور تصورت العاهرات أنه زبون كبير فتدافعن عليه وتسابقن إليه وأخذت كل واحدة تشده لتفوز به دون أن تعرف شخصيته وتحول السباق علي معالي الوزير إلي خناقة كبيرة بين العاهرات ولم يعرف معالي الوزير كيف يخلص نفسه من هذه الورطة ، وأدرك أن سيد جلال هو الذي دبر له هذا المقلب خاصة أن أحدا لم يتقدم لإنقاذه وتخليصه من أيدي العاهرات ، وجاهد معالي الوزير وهو يصرخ ويسب حتي إستطاع أن يخلص نفسه بصعوبة بعد أن سقط طربوشه من علي رأسه وتمزقت ملابسه وإمتدت الأيدي إلي جيوبه .
كانت فضيحة كبرى وعاد الوزير إلي بيته وهو في حالة سيئة
وأخذ يشتم ويسب ويلعن سيد جلال ، لكنه قبل
أن تمضي أيام كان قد أصدر القرار بإلغاء البغاء وفوجئ بسيد جلال يدخل عليه وهو
يضحك ويشكره علي شجاعته بإصدار القرار الذي مسح عار البغاء العلني والرسمي عن مصر
وقال له : لقد فعلت شيئا عظيما وسوف يذكره الناس لك . وهدأ الوزير وقال لسيد جلال :
وسيقول الناس أيضا إنك أنت الذي دبرت المقلب الذي جعل الوزير يصدر هذا القرار .
حاول بعض أعضاء البرلمان بعد
ذلك في إعادة مشروع قانون ينظم البغاء في مصر وليس إلغائه ، ولكن تصدي لهم سيد
جلال وقال لهم : من يقترح إعادة البغاء في مصر ، فعليه أن يقدم خمسة من نساء أهل
بيته ليكونوا نواة لهذا المشروع . . ! ، وضجت القاعة ولم يرد صاحب الإقتراح وخرج من
المجلس يجر أذيال الخيبة والهزيمة وهو في أشد حالات الحرج ولم يعد إليه مرة أخرى .
ورحل النائب سيد جلال عن
دنيانا عام 1984، بعد أن ترك أعمالا جليلة من إنقاذ سمعة مصر من هذه الرذيلة ، وإنشاء
مستشفي تخدم أهل مصر وغيرها من أعمال البر والخير .
المصادر : جريدة أبو
الهول - الكاتب طارق البدراوي 11 - 2018

شكرا لزيارتكم وتقيمكم ، ونتمني أن نكون دائما عند حسن ظنكم
ردحذف